هل كان حضور ترامب قمة الناتو في تركيا، وسط تصاعد الخطاب المناهض لإيران والأوامر بمهاجمة إيران، مجرد مشاركة في اجتماع دبلوماسي حول الأمن الأوروبي؟ هذا السؤال ذو أهمية قصوى لأن التطورات الأخيرة لا يمكن فهمها على المستوى السطحي وحده.
وعلى مستوى أعمق، يشير وجود ترامب إلى إعادة ضبط الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة فيما يتعلق بجمهورية إيران الإسلامية و”محور المقاومة”. وتستند عملية إعادة المعايرة هذه إلى فرضية مفادها أن الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي المباشر، على الرغم من التكاليف الباهظة، قد فشل في إحداث التحول المنشود في سلوك إيران أو تكوين قوتها أو توجهها الاستراتيجي. وبناءً على ذلك، تتحرك واشنطن تدريجياً من نموذج الضغط المباشر إلى نموذج هجين ومتعدد الطبقات، حيث يشكل الضغط الداخلي، والتحول في البيئة المحيطية لإيران، وبناء التحالفات خارج المنطقة، وإعادة التنظيم المتزامن للملفات الإقليمية، جزءاً من بنية استراتيجية واحدة.
والمنطق الذي يقوم عليه هذا التحول الاستراتيجي هو أنه لا ينبغي الضغط على إيران من خلال ضربة حاسمة واحدة، ولكن من خلال مسارات استنزاف متزامنة عبر مستويات متعددة. ولا يتمثل الهدف في مجرد زيادة التكاليف الخارجية المفروضة على جمهورية إيران الإسلامية، بل في خلق الظروف التي تضطر فيها أجهزة صنع القرار في البلاد إلى تكريس حصة أكبر من قدرتها على إدارة الضغوط الداخلية والحدودية والإقليمية المتداخلة. بعبارة أخرى، تعتمد الاستراتيجية الأميركية الجديدة على توليد ضغوط متزامنة داخل إيران، وعبر محيطها الجيوسياسي، وعبر شبكة اتصالاتها الإقليمية.
وعلى المستوى المحلي، تعتمد هذه الاستراتيجية على تكثيف الضغوط الاجتماعية والتآكل التدريجي لقدرة الشعب على الصمود. ولا يقتصر القصد من ذلك على إثارة السخط الدوري أو الأزمات الحادة فحسب، بل رفع تكاليف الحكم من خلال تعطيل البنية التحتية الحيوية واستهداف الأنظمة الأساسية التي تدعم الحياة اليومية، بما في ذلك الطاقة والمياه والنقل وغيرها من مراكز الخدمات العامة والاقتصادية الحساسة. وإلى جانب القيود الأمنية والإقليمية، يمكن لهذا الضغط أن يحول بعض قدرات صنع القرار في جمهورية إيران الإسلامية بعيدا عن الأولويات الاستراتيجية الأوسع ونحو الإدارة الاستنزافية للأزمات المحلية.
ومع ذلك، فإن هذا البعد من الإستراتيجية لا يمكن أن يصبح فعّالاً بشكل كامل دون تغيير البيئة المحيطة بإيران. ومن هذا المنظور، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إعادة ضبط المسرح الإقليمي بطريقة تعمل في الوقت نفسه على إشراك طهران على عدة جبهات هامشية. لقد أظهرت التجارب الأخيرة أنه على الرغم من العمليات العسكرية والأمنية والاستخباراتية الواسعة النطاق، لم يتم إقصاء حزب الله من معادلة القوة الأوسع، ولم يتم احتواء المقاومة الفلسطينية. ولم تتنازل جماعة أنصار الله (الحوثيين) عن مكانتها الإقليمية، ولم تُخرج القوات المتحالفة مع المقاومة في العراق من الساحة السياسية والأمنية. وقد دفعت هذه الإخفاقات واشنطن إلى استنتاج أنه لا يمكن إضعاف إيران دون إعادة تشكيل بيئتها المحيطية بشكل متزامن.
وفي هذا الإطار، يمكن تحديد ثلاثة مسارات متكاملة. الأول هو إشراك إيران داخل حلقتها الحدودية من خلال تفعيل جيوب انعدام الأمن في الغرب أو الشمال الغربي أو الجنوب الشرقي أو الشمال الشرقي. والثاني هو تكثيف الضغوط على حلفاء إيران الإقليميين، من لبنان وفلسطين إلى العراق واليمن. والثالث هو تحقيق إنجاز محدود لكنه مهم على الأرض يمكن تقديمه كدليل على دفع إيران إلى الوراء أو تقليص عمق نفوذها الإقليمي. وفي إطار هذا المنطق، لا ينبغي النظر إلى الإجراءات المحدودة والعمليات الجراحية والضغط على العقد الاقتصادية والأمنية الحساسة في إيران على أنها حوادث معزولة، بل كمكونات لتصميم استراتيجي أوسع.
وعلى هذه الخلفية، تكتسب قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا أهمية تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد اجتماع روتيني. فهو ليس مجرد منتدى لمناقشة الأمن الأوروبي، بل هو منصة لربط الملف الإيراني بالبنية الأوسع للأمن الغربي. وتسعى الولايات المتحدة إلى رفع القضية الإيرانية إلى ما هو أبعد من مجرد نزاع ثنائي وتحويلها إلى اهتمام مشترك للتحالف الغربي. ومن هذا المنظور، فإن حلف شمال الأطلسي ليس مجرد تحالف عسكري، بل هو وسيلة للتحالف السياسي والأمني والسردي للحلفاء الغربيين ضد إيران.
وفي هذا السياق، يمكن فهم وجود ترامب في القمة على أنه يخدم أربعة أهداف مترابطة. الأول هو تعزيز بناء التحالف ضد جمهورية إيران الإسلامية. وتسعى الولايات المتحدة إلى استخدام ملفات مثل ملفات أوكرانيا، وأمن الطاقة، واستقرار التجارة الاستراتيجية وطرق الطاقة، لتأمين قدر أكبر من التحالف الأوروبي بشأن إيران. إن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز وتأثيرات عدم الاستقرار في غرب آسيا على الأمن الاقتصادي لأوروبا تسمح لواشنطن بربط المخاوف الأوروبية بأولوياتها المناهضة لإيران. لكن المواقف التي تبنتها بعض الدول الأوروبية تشير إلى أن هذا الإجماع لا يزال غير مكتمل وأن واشنطن لا تزال تواجه قيوداً في تحويل أوروبا إلى شريك كامل في حملة الضغط الأقصى التي تمارسها ضد إيران.
والهدف الثاني هو إضفاء الشرعية على العمل المستقبلي. وتدرك واشنطن تمام الإدراك أن العمل الأحادي الجانب ضد إيران ينطوي على تكاليف سياسية وقانونية كبيرة. ولذلك فإنها تسعى، من خلال تنمية التحالفات خارج المنطقة، إلى وضع أي تدابير لاحقة ضمن إطار سردي أكثر جماعية ويمكن الدفاع عنه ظاهريا. وبهذا المعنى فإن بناء التحالفات ليس مجرد آلية لحشد السلطة، بل هو أيضاً أداة لإضفاء الشرعية على مراحل لاحقة من الضغوط.
الهدف الثالث هو التنسيق مع تركيا واستغلال قدراتها الطرفية. وأي تنازلات تُمنح لأنقرة يجب أن تُفهم في إطار الجهود الأمريكية لتقريب تركيا من مخططها الإقليمي. ويمكن للديناميكيات الحدودية والعرقية والأمنية المحيطة بإيران، وخاصة في الغرب والشمال الغربي، أن تلعب دوراً نشطاً في مثل هذه الاستراتيجية. ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم المشاورات الأميركية مع تركيا باعتبارها مجرد جهد لتنظيم العلاقات الثنائية. كما أنها تشكل جزءًا من محاولة تفعيل مصادر الضغط على طول محيط إيران.
الهدف الرابع هو استخدام قدرة سوريا على التأثير على لبنان وتكثيف الضغوط على حزب الله. ومن خلال هذه العدسة، لا تقتصر التطورات في سوريا على البلد نفسه، بل يمكن أن تصبح منصة لإعادة ضبط المعادلة اللبنانية وممارسة ضغط أكبر على المقاومة. وإذا سلمنا بفرضية أن الولايات المتحدة تربط الملفات السورية واللبنانية والتركية ضمن إطار موحد، فلا يمكن النظر إلى هذه الأهداف الأربعة بمعزل عن غيرها. وهي حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى تصعيد الضغوط السياسية والأمنية والميدانية على إيران ومحور المقاومة.
وإلى جانب هذه الأبعاد، تتم إعادة تعريف العديد من الملفات الإضافية خدمة للهيكل الاستراتيجي نفسه. وفي غزة، يبدو أن النظام الصهيوني قد تجاوز الصراع حول الإدارة السياسية لحماس. فمن خلال معارضة إعادة الإعمار في المناطق الواقعة خارج ما يسمى بالمناطق الصفراء أو المناطق العازلة الأمنية، تسعى الآن إلى ترسيخ تكوين ديموغرافي وإقليمي جديد. ولا تتعلق القضية بالحكم السياسي في غزة فحسب، بل بتحويل المنطقة إلى بيئة محصورة ومنهكة ومقيدة، مما يمكن إسرائيل من تحويل تركيزها نحو الضفة الغربية. فالأهداف هناك هي تحقيق الاستقرار الأمني، وتقييد المقاومة، ومنع الضفة الغربية من التطور إلى مركز صراع نشط ومستدام. وعليه، فإن غزة والضفة الغربية ليسا ملفين منفصلين، بل جناحان لاستراتيجية واحدة لاحتواء المقاومة الفلسطينية.
وفي اليمن أيضاً هناك مؤشرات على أن ملف أنصار الله يدخل مرحلة جديدة. ووفقاً لهذا التقييم، أنشأت إسرائيل “مكتباً لليمن” داخل الموساد قبل حوالي ثمانية أشهر، وهي خطوة تشير إلى الأهمية المتزايدة لهذا الملف في حسابات النظام الصهيوني الاستخباراتية والعملياتية. ربما حان الوقت الآن لتفعيل بعض خطط هذا المكتب، مما يجعل العمل المستهدف من قبل إسرائيل والولايات المتحدة ضد أنصار الله في اليمن محتملاً في المستقبل القريب. وإذا تم تفعيل هذا المسار، فسوف يصبح اليمن مسرحاً حاسماً آخر في تكثيف الضغوط المتزامنة ضد محور المقاومة.
وفي العراق، يظل احتواء أو إضعاف القوى المتحالفة مع المقاومة عنصراً ثابتاً على أجندة الولايات المتحدة، ويكتسب أهمية أكبر عند النظر إليه جنباً إلى جنب مع التطورات الإقليمية الأخرى. وبالتالي فإننا لا نواجه مجموعة من الأزمات المتباينة، بل نحن نواجه شبكة من الملفات المترابطة التي تجري ملاحقتها ضمن تصميم متعدد الطبقات يهدف إلى إعادة تشكيل توازن القوى في غرب آسيا.
تشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن الولايات المتحدة، بدلاً من الاعتماد على أداة واحدة، تقوم بتفعيل شبكة من الضغوط المترابطة ضد جمهورية إيران الإسلامية. ويشكل الضغط الداخلي، والضغط على طول حدود إيران، والضغط على حلفائها الإقليميين، والضغط الموجه من خلال بناء التحالف الدولي، جزءاً من هذه البنية المشتركة. ويتلخص هدفها النهائي في إعادة تحديد توازن القوى في غرب آسيا لصالح الولايات المتحدة والنظام الصهيوني، في حين إرغام إيران على التركيز على إدارة الأزمات المتداخلة والمتعددة الجبهات.
ومع ذلك، لا شك أن هذه الاستراتيجية محكوم عليها بالفشل. لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن العديد من المخططات الأمريكية والصهيونية، على الرغم من تفوقها العسكري ودعمها السياسي وشبكاتها الأمنية المعقدة، انتهت إلى الاستنزاف والتعطيل والفشل عندما واجهت الحقائق على الأرض، والقيود التي فرضتها الظروف المحلية والتصميم المتأصل لعناصر المقاومة. علاوة على ذلك، أظهرت المواكب الجنائزية التي حضرها الملايين للقائد الشهيد في إيران والعراق مرة أخرى أن النظام الحقيقي والمستدام في غرب آسيا لا يتم صياغته من خلال الهندسة الأمريكية الخارجية، بل حول الإرادة الاجتماعية للأمم، والذاكرة التاريخية للمقاومة والروابط العميقة التي تشكلت من خلال معارضة الهيمنة. لذلك، على الرغم من أن واشنطن تحاول إعادة ضبط ضغوطها على إيران ومحور المقاومة من خلال تصميم أكثر تعقيدًا ومتعدد الطبقات، فإن الحقائق السياسية والاجتماعية في المنطقة تشير إلى أن هذا المشروع، مثل النماذج التي سبقته، يواجه قيوده الداخلية والإرهاق والهزيمة في نهاية المطاف. وبالتالي فإن النظام الناشئ في غرب آسيا لا يمكن اعتباره نتاجاً للإرادة الأميركية، بل نتيجة للصعود التدريجي لنظام شعبي عميق الجذور ومعادٍ لأميركا على المشاريع المفروضة والمهندسة خارجياً.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لقناة الجزيرة.
نقدم لكم في موقع تجاربنا تفاصيل الولايات المتحدة تبني هيكلية ضغط جديدة ضد إيران | الناتو
…
هل كان حضور ترامب قمة الناتو في تركيا، وسط تصاعد الخطاب المناهض لإيران والأوامر بمهاجمة إيران، مجرد مشاركة في اجتماع دبلوماسي حول الأمن الأوروبي؟ هذا السؤال ذو أهمية قصوى لأن التطورات الأخيرة لا يمكن فهمها على المستوى السطحي وحده.
وعلى مستوى أعمق، يشير وجود ترامب إلى إعادة ضبط الحسابات الاستراتيجية للولايات المتحدة فيما يتعلق بجمهورية إيران الإسلامية و”محور المقاومة”. وتستند عملية إعادة المعايرة هذه إلى فرضية مفادها أن الضغط العسكري والسياسي والاقتصادي المباشر، على الرغم من التكاليف الباهظة، قد فشل في إحداث التحول المنشود في سلوك إيران أو تكوين قوتها أو توجهها الاستراتيجي. وبناءً على ذلك، تتحرك واشنطن تدريجياً من نموذج الضغط المباشر إلى نموذج هجين ومتعدد الطبقات، حيث يشكل الضغط الداخلي، والتحول في البيئة المحيطية لإيران، وبناء التحالفات خارج المنطقة، وإعادة التنظيم المتزامن للملفات الإقليمية، جزءاً من بنية استراتيجية واحدة.
والمنطق الذي يقوم عليه هذا التحول الاستراتيجي هو أنه لا ينبغي الضغط على إيران من خلال ضربة حاسمة واحدة، ولكن من خلال مسارات استنزاف متزامنة عبر مستويات متعددة. ولا يتمثل الهدف في مجرد زيادة التكاليف الخارجية المفروضة على جمهورية إيران الإسلامية، بل في خلق الظروف التي تضطر فيها أجهزة صنع القرار في البلاد إلى تكريس حصة أكبر من قدرتها على إدارة الضغوط الداخلية والحدودية والإقليمية المتداخلة. بعبارة أخرى، تعتمد الاستراتيجية الأميركية الجديدة على توليد ضغوط متزامنة داخل إيران، وعبر محيطها الجيوسياسي، وعبر شبكة اتصالاتها الإقليمية.
وعلى المستوى المحلي، تعتمد هذه الاستراتيجية على تكثيف الضغوط الاجتماعية والتآكل التدريجي لقدرة الشعب على الصمود. ولا يقتصر القصد من ذلك على إثارة السخط الدوري أو الأزمات الحادة فحسب، بل رفع تكاليف الحكم من خلال تعطيل البنية التحتية الحيوية واستهداف الأنظمة الأساسية التي تدعم الحياة اليومية، بما في ذلك الطاقة والمياه والنقل وغيرها من مراكز الخدمات العامة والاقتصادية الحساسة. وإلى جانب القيود الأمنية والإقليمية، يمكن لهذا الضغط أن يحول بعض قدرات صنع القرار في جمهورية إيران الإسلامية بعيدا عن الأولويات الاستراتيجية الأوسع ونحو الإدارة الاستنزافية للأزمات المحلية.
ومع ذلك، فإن هذا البعد من الإستراتيجية لا يمكن أن يصبح فعّالاً بشكل كامل دون تغيير البيئة المحيطة بإيران. ومن هذا المنظور، تسعى الولايات المتحدة وإسرائيل إلى إعادة ضبط المسرح الإقليمي بطريقة تعمل في الوقت نفسه على إشراك طهران على عدة جبهات هامشية. لقد أظهرت التجارب الأخيرة أنه على الرغم من العمليات العسكرية والأمنية والاستخباراتية الواسعة النطاق، لم يتم إقصاء حزب الله من معادلة القوة الأوسع، ولم يتم احتواء المقاومة الفلسطينية. ولم تتنازل جماعة أنصار الله (الحوثيين) عن مكانتها الإقليمية، ولم تُخرج القوات المتحالفة مع المقاومة في العراق من الساحة السياسية والأمنية. وقد دفعت هذه الإخفاقات واشنطن إلى استنتاج أنه لا يمكن إضعاف إيران دون إعادة تشكيل بيئتها المحيطية بشكل متزامن.
وفي هذا الإطار، يمكن تحديد ثلاثة مسارات متكاملة. الأول هو إشراك إيران داخل حلقتها الحدودية من خلال تفعيل جيوب انعدام الأمن في الغرب أو الشمال الغربي أو الجنوب الشرقي أو الشمال الشرقي. والثاني هو تكثيف الضغوط على حلفاء إيران الإقليميين، من لبنان وفلسطين إلى العراق واليمن. والثالث هو تحقيق إنجاز محدود لكنه مهم على الأرض يمكن تقديمه كدليل على دفع إيران إلى الوراء أو تقليص عمق نفوذها الإقليمي. وفي إطار هذا المنطق، لا ينبغي النظر إلى الإجراءات المحدودة والعمليات الجراحية والضغط على العقد الاقتصادية والأمنية الحساسة في إيران على أنها حوادث معزولة، بل كمكونات لتصميم استراتيجي أوسع.
وعلى هذه الخلفية، تكتسب قمة حلف شمال الأطلسي في تركيا أهمية تمتد إلى ما هو أبعد من مجرد اجتماع روتيني. فهو ليس مجرد منتدى لمناقشة الأمن الأوروبي، بل هو منصة لربط الملف الإيراني بالبنية الأوسع للأمن الغربي. وتسعى الولايات المتحدة إلى رفع القضية الإيرانية إلى ما هو أبعد من مجرد نزاع ثنائي وتحويلها إلى اهتمام مشترك للتحالف الغربي. ومن هذا المنظور، فإن حلف شمال الأطلسي ليس مجرد تحالف عسكري، بل هو وسيلة للتحالف السياسي والأمني والسردي للحلفاء الغربيين ضد إيران.
وفي هذا السياق، يمكن فهم وجود ترامب في القمة على أنه يخدم أربعة أهداف مترابطة. الأول هو تعزيز بناء التحالف ضد جمهورية إيران الإسلامية. وتسعى الولايات المتحدة إلى استخدام ملفات مثل ملفات أوكرانيا، وأمن الطاقة، واستقرار التجارة الاستراتيجية وطرق الطاقة، لتأمين قدر أكبر من التحالف الأوروبي بشأن إيران. إن الأهمية الاستراتيجية لمضيق هرمز وتأثيرات عدم الاستقرار في غرب آسيا على الأمن الاقتصادي لأوروبا تسمح لواشنطن بربط المخاوف الأوروبية بأولوياتها المناهضة لإيران. لكن المواقف التي تبنتها بعض الدول الأوروبية تشير إلى أن هذا الإجماع لا يزال غير مكتمل وأن واشنطن لا تزال تواجه قيوداً في تحويل أوروبا إلى شريك كامل في حملة الضغط الأقصى التي تمارسها ضد إيران.
والهدف الثاني هو إضفاء الشرعية على العمل المستقبلي. وتدرك واشنطن تمام الإدراك أن العمل الأحادي الجانب ضد إيران ينطوي على تكاليف سياسية وقانونية كبيرة. ولذلك فإنها تسعى، من خلال تنمية التحالفات خارج المنطقة، إلى وضع أي تدابير لاحقة ضمن إطار سردي أكثر جماعية ويمكن الدفاع عنه ظاهريا. وبهذا المعنى فإن بناء التحالفات ليس مجرد آلية لحشد السلطة، بل هو أيضاً أداة لإضفاء الشرعية على مراحل لاحقة من الضغوط.
الهدف الثالث هو التنسيق مع تركيا واستغلال قدراتها الطرفية. وأي تنازلات تُمنح لأنقرة يجب أن تُفهم في إطار الجهود الأمريكية لتقريب تركيا من مخططها الإقليمي. ويمكن للديناميكيات الحدودية والعرقية والأمنية المحيطة بإيران، وخاصة في الغرب والشمال الغربي، أن تلعب دوراً نشطاً في مثل هذه الاستراتيجية. ومن هذا المنظور، لا يمكن فهم المشاورات الأميركية مع تركيا باعتبارها مجرد جهد لتنظيم العلاقات الثنائية. كما أنها تشكل جزءًا من محاولة تفعيل مصادر الضغط على طول محيط إيران.
الهدف الرابع هو استخدام قدرة سوريا على التأثير على لبنان وتكثيف الضغوط على حزب الله. ومن خلال هذه العدسة، لا تقتصر التطورات في سوريا على البلد نفسه، بل يمكن أن تصبح منصة لإعادة ضبط المعادلة اللبنانية وممارسة ضغط أكبر على المقاومة. وإذا سلمنا بفرضية أن الولايات المتحدة تربط الملفات السورية واللبنانية والتركية ضمن إطار موحد، فلا يمكن النظر إلى هذه الأهداف الأربعة بمعزل عن غيرها. وهي حلقات في سلسلة واحدة تهدف إلى تصعيد الضغوط السياسية والأمنية والميدانية على إيران ومحور المقاومة.
وإلى جانب هذه الأبعاد، تتم إعادة تعريف العديد من الملفات الإضافية خدمة للهيكل الاستراتيجي نفسه. وفي غزة، يبدو أن النظام الصهيوني قد تجاوز الصراع حول الإدارة السياسية لحماس. فمن خلال معارضة إعادة الإعمار في المناطق الواقعة خارج ما يسمى بالمناطق الصفراء أو المناطق العازلة الأمنية، تسعى الآن إلى ترسيخ تكوين ديموغرافي وإقليمي جديد. ولا تتعلق القضية بالحكم السياسي في غزة فحسب، بل بتحويل المنطقة إلى بيئة محصورة ومنهكة ومقيدة، مما يمكن إسرائيل من تحويل تركيزها نحو الضفة الغربية. فالأهداف هناك هي تحقيق الاستقرار الأمني، وتقييد المقاومة، ومنع الضفة الغربية من التطور إلى مركز صراع نشط ومستدام. وعليه، فإن غزة والضفة الغربية ليسا ملفين منفصلين، بل جناحان لاستراتيجية واحدة لاحتواء المقاومة الفلسطينية.
وفي اليمن أيضاً هناك مؤشرات على أن ملف أنصار الله يدخل مرحلة جديدة. ووفقاً لهذا التقييم، أنشأت إسرائيل “مكتباً لليمن” داخل الموساد قبل حوالي ثمانية أشهر، وهي خطوة تشير إلى الأهمية المتزايدة لهذا الملف في حسابات النظام الصهيوني الاستخباراتية والعملياتية. ربما حان الوقت الآن لتفعيل بعض خطط هذا المكتب، مما يجعل العمل المستهدف من قبل إسرائيل والولايات المتحدة ضد أنصار الله في اليمن محتملاً في المستقبل القريب. وإذا تم تفعيل هذا المسار، فسوف يصبح اليمن مسرحاً حاسماً آخر في تكثيف الضغوط المتزامنة ضد محور المقاومة.
وفي العراق، يظل احتواء أو إضعاف القوى المتحالفة مع المقاومة عنصراً ثابتاً على أجندة الولايات المتحدة، ويكتسب أهمية أكبر عند النظر إليه جنباً إلى جنب مع التطورات الإقليمية الأخرى. وبالتالي فإننا لا نواجه مجموعة من الأزمات المتباينة، بل نحن نواجه شبكة من الملفات المترابطة التي تجري ملاحقتها ضمن تصميم متعدد الطبقات يهدف إلى إعادة تشكيل توازن القوى في غرب آسيا.
تشير هذه التطورات مجتمعة إلى أن الولايات المتحدة، بدلاً من الاعتماد على أداة واحدة، تقوم بتفعيل شبكة من الضغوط المترابطة ضد جمهورية إيران الإسلامية. ويشكل الضغط الداخلي، والضغط على طول حدود إيران، والضغط على حلفائها الإقليميين، والضغط الموجه من خلال بناء التحالف الدولي، جزءاً من هذه البنية المشتركة. ويتلخص هدفها النهائي في إعادة تحديد توازن القوى في غرب آسيا لصالح الولايات المتحدة والنظام الصهيوني، في حين إرغام إيران على التركيز على إدارة الأزمات المتداخلة والمتعددة الجبهات.
ومع ذلك، لا شك أن هذه الاستراتيجية محكوم عليها بالفشل. لقد أظهرت السنوات الأخيرة أن العديد من المخططات الأمريكية والصهيونية، على الرغم من تفوقها العسكري ودعمها السياسي وشبكاتها الأمنية المعقدة، انتهت إلى الاستنزاف والتعطيل والفشل عندما واجهت الحقائق على الأرض، والقيود التي فرضتها الظروف المحلية والتصميم المتأصل لعناصر المقاومة. علاوة على ذلك، أظهرت المواكب الجنائزية التي حضرها الملايين للقائد الشهيد في إيران والعراق مرة أخرى أن النظام الحقيقي والمستدام في غرب آسيا لا يتم صياغته من خلال الهندسة الأمريكية الخارجية، بل حول الإرادة الاجتماعية للأمم، والذاكرة التاريخية للمقاومة والروابط العميقة التي تشكلت من خلال معارضة الهيمنة. لذلك، على الرغم من أن واشنطن تحاول إعادة ضبط ضغوطها على إيران ومحور المقاومة من خلال تصميم أكثر تعقيدًا ومتعدد الطبقات، فإن الحقائق السياسية والاجتماعية في المنطقة تشير إلى أن هذا المشروع، مثل النماذج التي سبقته، يواجه قيوده الداخلية والإرهاق والهزيمة في نهاية المطاف. وبالتالي فإن النظام الناشئ في غرب آسيا لا يمكن اعتباره نتاجاً للإرادة الأميركية، بل نتيجة للصعود التدريجي لنظام شعبي عميق الجذور ومعادٍ لأميركا على المشاريع المفروضة والمهندسة خارجياً.
الآراء الواردة في هذا المقال هي آراء المؤلف ولا تعكس بالضرورة السياسة التحريرية لقناة الجزيرة.
كما تَجْدَرُ الإشارة بأن الخبر الأصلي بعنوان الولايات المتحدة تبني هيكلية ضغط جديدة ضد إيران | الناتو
قد تم نشره ومتواجد على صحيفة (المشهد اليمني) وقد قام فريق التحرير في موقع تجاربنا بنقله وربما تم التعديل عليه وربما قد يكون تم نقله بالكامل أوالاقتباس منه ويمكنك قراءة ومتابعة مستجدات هذا الخبر من مصدره الأساسي.
